دعونا نفرح!
لا أعرف لماذا يعتقد بعض الناس أن الإنسان إذا حزن على شيء، فعليه أن يتوقف عن الفرح بكل شيء.
وكأن الحياة لا تسمح للمشاعر أن تجتمع في القلب الواحد.
قبل سنوات، انتشر مقطع لمجموعة من الشباب يحتفلون بهدفٍ متأخر لفريقهم المفضل بعد انتظارٍ طويل. لم يكن المشهد استثنائيًا؛ مجرد أشخاص قفزوا من أماكنهم، وتعانقوا، وصرخوا فرحًا كما يفعل ملايين المشجعين حول العالم.
لكن اللافت لم يكن الاحتفال نفسه، بل ردود الأفعال التي جاءت بعده.
فقد رأى بعضهم أن هذا الفرح لا يليق في زمنٍ تمتلئ فيه الأخبار بالحروب، والأزمات، والآلام. وكأن الإنسان مطالبٌ بأن يعلّق ابتسامته حتى تنتهي مآسي العالم كلها.
تأملت هذه الفكرة طويلًا.
ولو أننا انتظرنا يومًا يخلو من الحزن حتى نفرح، فلن يفرح أحد أبدًا.
ففي كل صباح، هناك مريض يتألم، وأسرة تودّع عزيزًا، وطفل يعيش ظروفًا لا يستحقها، وأناس يفقدون أحلامهم في أماكن مختلفة من هذا العالم. وهذه حقيقة مؤلمة لا يمكن تجاهلها، لكنها لا تعني أن الحياة يجب أن تتوقف.
لقد خلق الله هذه الدنيا مزيجًا من الأفراح والأحزان، ولم يجعل أحدهما شرطًا لوجود الآخر.
قد يبكي الإنسان في جنازة قريب، ثم يبتسم في مساء اليوم نفسه لطفله الصغير. وقد يعيش وطنٌ أزمةً اقتصادية، بينما يحتفل أحد أبنائه بتخرجه أو بزواجه. وقد يحمل قلبك همًا كبيرًا، ثم تضحك من موقفٍ عابر مع صديق.
وليس في ذلك تناقض.
بل تلك هي طبيعة الحياة.
إن الفرح ليس خيانةً للحزن، كما أن الحزن ليس دليلًا على الوفاء.
فالإنسان الذي يفرح بهدفٍ لفريقه، أو بنجاح ابنه، أو بفنجان قهوة يجلس إليه بعد يومٍ طويل، لا يعني أنه نسي آلام الآخرين، وإنما يعني أنه ما زال يتمسك بالأشياء الصغيرة التي تساعده على الاستمرار.
وربما لهذا السبب كانت البشائر جزءًا من هدي نبينا ﷺ، وكان يحب الفأل الحسن، ويُدخل السرور على الناس، لأن النفس البشرية لا تستطيع أن تعيش طويلًا إذا أُغلقت جميع نوافذ الفرح في وجهها.
ولهذا يا صديقي، لا تستكثر على الناس أفراحهم الصغيرة.
فقد ترى ابتسامةً عابرة، بينما لا تعلم كم ليلةً قضاها صاحبها وهو يقاوم الحزن.
وقد ترى احتفالًا بلحظةٍ بسيطة، بينما لا تعرف كم عامًا انتظرها.
دع الناس يفرحون بما يسعدهم، ما دام فرحهم لا يظلم أحدًا، ولا ينتقص من ألم أحد، ولا يسلب حق أحد.
فنحن لا نحتاج إلى مزيدٍ من الأسباب التي تمنعنا من الفرح. فالحياة كما أنها لا تخلو من الحزن، فيجب أيضًا أن لا تخلو من الفرح.
تعليقات
إرسال تعليق