المشاركات

عرض المشاركات من 2026

يقظةُ الرُّوح!

تأسِرُني تلك الدهشة التي أراها في عينيّ ابني الصغير عبدالملك، حين يشاهد شيئًا غير مألوفًا فيطلق تعليقه المحبب إلى قلبي: “أحا!”، وكأن العالم ما زال جديدًا تمامًا في نظره، مليئًا بالمفاجآت التي تستحق الانبهار. وتأسِرُني كذلك ردة فعل خالتي الكبيرة نعيمة، وهي تتأمل التغيرات التي طرأت على شوارع الأحساء كلما خرجت معي لمشوارٍ ما، فلا تتردد في إظهار إعجابها بالتفاصيل الصغيرة قبل الكبيرة، من الأنفاق الحديثة، إلى العمائر المرتفعة، وحتى الزخارف الأحسائيّة التي زيّنت بوابة القيصريّة، وكأنها ترى المدينة بعينٍ تحفظ الماضي وتندهش بالحاضر في آنٍ واحد. والحقيقة يا صديقي أننا مُحاطون بقدرٍ هائل من الجمال، إلا أن ازدحام الحياة، وكثرة المسؤوليات، وتسارع الأيام، جعلتنا نتجاهل  الكثير من التفاصيل دون أن نمنحها لحظة تأمل واحدة. أصبحنا ننظر للأشياء لكننا لا نراها بجمالها الحقيقي، وتمرُّ بنا الأشياء المدهشة وكأنها أمورٌ اعتيادية لا تستحق التوقف وتأمل جمالها بدقة! أعتقد أن الدهشة واحدة من أجمل النِّعم التي ينبغي للإنسان أن يحافظ عليها، وأن يبحث عنها كلما أثقلته الحياة. أنت تلاحظ نفسك مثلًا، كيف تشعر بسعادة ...

سطوة الشغف!

تُدهِشنُي تلك اللحظة التي يتبدّل فيها الإنسان حين يلامس الحديث شيئًا يسكِنُ شغفه، إذ يتفاعل وكأن العالم كله انحنى ليُصغي إليه، وكأن الكون، بكل اتساعه، قد اختار أن يتمحور حول تلك الفكرة التي أحبّها! كنتُ يومًا أتحاور مع صديقي عماد عن سباقٍ للسيارات أُقيم في حلبة البحرين الدولية قبل عدة أشهر، بين متسابقَين لا أعرفهما، وربما لن أعرفهما أبدًا بعد ذلك اليوم، فإذا بالحماس يقفز في عينيه، وكأنه هو من اعتلى منصة التتويج، لا مجرد متابع عابر! وأما ابن أختي الصغير عبدالله، فحدّث ولا حرج! حيث كان يروي لي أحداث حلقة طريفة من مسلسل “شباب البومب” بضحكاتٍ لا تنتهي، وحماسٍ لا يُوصف، حتى خُيّل إليّ أن هذه الحلقة تحديدًا ستنافس على جائزة الأوسكار في نهاية العام! ولستُ أبالغ إن قلت إن روح جابر بن حيّان قد تجسّدت في صديقي القريب إلى قلبي -عدنان- وهو يحدثني بشغف عن فصل المركبات الكيميائية في المختبر، حتى ظننتُ لوهلة أنه سيُعلن في ختام حديثه اكتشافًا يقلب موازين العلم، أو يعيد رسم ملامح الجدول الدوري! والأعجب من ذلك يا صديقي، أنني أجِدُ هذا الشعور يتسلّل إليّ أنا أيضًا، حين أتحدث عمّا أحب، كفوز ريال مدريد بدو...

فضفضة يُوسف! (غير قابل للنشر)

هذه 'الفضفضة' لن يتم مشاركتها مع الاخرين 🤍 أحبّ قصة يوسف عليه السلام حبًا كبيرًا، بل وجعلتها منهاجًا أستدلّ بها في حياتي، إذ أشعر أن بين يوسف النبيّ ويوسف أنا خيوطًا خفية من التشابه، وكأن القصة تعبر الزمان لتلمسني أنا تحديدًا! دعني أخبرك يا صديقي ببعض هذه التقاطعات؛ يوسف عليه السلام عاش بعيدًا عن أبيه يعقوب منذ صغره، وتربّى في كنف عزيز مصر، أما أنا، فقد فقدت أبي في سن الثالثة، ونشأت على يد خالي إبراهيم، وكأن الفقد المبكر كان أول الخيوط الرفيعة التي نلتقي من خلالها! يوسف النبيّ تحمّل المسؤولية في سن مبكرة حتى ائتُمن على خزائن مصر، أما يوسف أنا، فقد بدأت بتحمّل مسؤولياتي باكرًا، بين شقاوة منال وعبدالله، وهموم أمي، حتى أكرمني الله لاحقًا بأن أحمل مسؤولية خالاتي، يا لها من أقدار تتشابه في تفاصيلها وإن اختلفت صورها! والمفارقة الأعجب يا صديقي أن يوسف النبيّ خرج من غياهب الجبّ إلى علوّ المكانة وسعة الملك في مِصر، أما يوسف أنا، فكنت موظف عقد بسيط، أعيش على هامش الاستقرار، مهددًا في أي لحظة، ثم شاء الله أن أتولى زمام الإدارة، وأقودها نحو منصّات النجاح، فضلًا منه وتوفيقًا لا اجتهادًا من...

هِبة الدوبامين!

خسِر فريقي المفضل “ريال مدريد” مساء الأمس بطولته الأخيرة لهذا الموسم، ليخرج بموسمٍ صفريّ آخر، كان ذلك كافيًا لأن أنام ليلتي على نحوٍ سيئ! هذا الشعور دفعني في الصباح إلى محاولة كسر المزاج العام بسلسلة من المهام البسيطة التي ظننت أنها قد تُحدث فرقًا. استيقظت لصلاة الفجر، ثم ذهبت إلى النادي وتمرّنت لمدة ساعة كاملة، ثم أنهيت ثلاث معاملات كانت عالقة في صندوق المهام. قبل أن أقوم بمشاركة منشورًا في إنستغرام وآخر في سناب شات، ثم رسالة امتنان صباحيّة عبر الواتساب. قد تبدو هذه أمورًا روتينية جدًا في نظرك يا صديقي، لكنها في الواقع كانت كفيلة بأن تدفع دماغي لإفراز قدرًا جيدًا من الدوبامين، وهو ما ساعدني فعليًا على تحسين مزاجي وتجاوز أثر خسارة فريقي. رغم بساطتها وسهولة تنفيذها، إلا أنها كانت كافية تمامًا. الحقيقة التي نغفل عنها كثيرًا أننا نُبالغ في طلب الأشياء التي نظن أنها ستُحسن مزاجنا. نعتقد أننا بحاجة إلى سفر إلى أحد الجزر الاستوائيّة، أو الحصول على هدية باهظة تتجاوز قيمتها آلاف الريالات، حتى نشعر بالسعادة والامتنان. بينما الواقع يقول بأن السعادة قد ترتفع بمجرد مكافأة بسيطة مثل إنجاز مهمة مؤجل...

فضيلةُ الموت!

هل الموت هو أسوأ ما قد يُصيب الإنسان في حياته؟ ظلّ هذا السؤال يُراودني طوال الثلاثة عقود ونصف الماضية من عمري، حتى أني كنتُ أتردّدُ كثيرًا في قول “آمين” حين يبتهل الإمام بالدعاء: “اللهم   اجعل   الموت   راحةً   لي   من   كل   شر” في ليالي التراويح، في تجلٍ واضح لخوفي من فكرة الموت. دعني أخبرك يا صديقي عن قصة رجلين مرّا في حياتي. الأوّل هو العم محمد، الذي عاش ما يقارب قرنًا كاملًا، وتوفي عن عمر ناهز 97 عامًا. لكن السؤال الأهم: كيف عاش؟ أُصيب العم محمد بارتفاع ضغط الدم وداء السكري في سن الخامسة والأربعين، واستمر يعاني منهما حتى أُصيب بالفشل الكلوي في الستين، ثم تعرّض لجلطتين دماغيتين في السبعين والخامسة والسبعين تواليًا، قبل أن يُصاب بمرض الزهايمر في الخامسة والثمانين. ليقضي آخر اثني عشر عامًا من حياته دون وعيٍ أو إدراك. أما الرجل الآخر، فهو حبيبي وقدوتي، خالي إبراهيم. تقاعد من عمله في مطار الأحساء الدولي في سن الخامسة والخمسين، وتوفي بعدها بأربعة أعوام فقط! وهو في كامل أناقته، وصحته، وعنفوانه. لم يكن يشكو من شيء. كانت جلطة عابرة لم يلحق بها الأطباء، وسب...

اطفئ عقلك!

تقول الكاتبة السعودية لُبنى الخميس "أطيب مكان تعيش فيه هو عقلك فاجعله مكانًا طيبًا للعيش" ويقول الفرزدق "إذا قلّ عقل المرء قلت همومه، ومن لم يكن ذا مقلةٍ كيف يُبصِرُ" أما ديستوفسكي فيعتقد بأن "الوعي المُفرط من الشقاء". كل هذه مقولات تتفق بطريقةٍ أو أخرى بجدوى تعطيل العقل في بعض الأحيان! لا شك أننا نتذكّر جميعًا مطلع العام ٢٠٢٠ أثناء تفشي جائحة كورونا، متعة ليالي السهر في تلك الأيام، إجازة مدفوعة الراتب، لمّة الأهل، تنوّع أطباق الطعام وسهرات لعبة الكيرم والأونو على أنغام محمد عبده ورومنسيّة كاظم الساهر، يا لها من حياة بسيطة دون تفكير وتعقيد! لكن ذلك لم يدم طويلًا، حتى تعمّقنا شيئًا فشيئًا في تفاصيل المشكلة، لتتحوّل متعة الإجازة إلى هوسٍ بالخوف من الموت. فمن نظرية “المليار الذهبي” المرتبطة ببيل غيتس – كما يزعم صديقي عبدالعزيز – إلى فكرة شريحة التحكّم في عقول البشر عبر اللقاحات. نظريات لا تنتهي، وأفكار سلبية لا حدّ لها، وكلّها تعود إلى سببٍ واحد لم نُدركه آنذاك: أننا لم نُعطّل عقولنا قليلًا ونستمتع باللحظة! أعتقد يا صديقي بأن نعمة الجهل في كثير من أمور الحياة...