فضيلةُ الموت!

هل الموت هو أسوأ ما قد يُصيب الإنسان في حياته؟


ظلّ هذا السؤال يُراودني طوال الثلاثة عقود ونصف الماضية من عمري، حتى أني كنتُ أتردّدُ كثيرًا في قول “آمين” حين يبتهل الإمام بالدعاء: “اللهم اجعل الموت راحةً لي من كل شر” في ليالي التراويح، في تجلٍ واضح لخوفي من فكرة الموت.


دعني أخبرك يا صديقي عن قصة رجلين مرّا في حياتي.


الأوّل هو العم محمد، الذي عاش ما يقارب قرنًا كاملًا، وتوفي عن عمر ناهز 97 عامًا. لكن السؤال الأهم: كيف عاش؟


أُصيب العم محمد بارتفاع ضغط الدم وداء السكري في سن الخامسة والأربعين، واستمر يعاني منهما حتى أُصيب بالفشل الكلوي في الستين، ثم تعرّض لجلطتين دماغيتين في السبعين والخامسة والسبعين تواليًا، قبل أن يُصاب بمرض الزهايمر في الخامسة والثمانين. ليقضي آخر اثني عشر عامًا من حياته دون وعيٍ أو إدراك.


أما الرجل الآخر، فهو حبيبي وقدوتي، خالي إبراهيم.

تقاعد من عمله في مطار الأحساء الدولي في سن الخامسة والخمسين، وتوفي بعدها بأربعة أعوام فقط! وهو في كامل أناقته، وصحته، وعنفوانه. لم يكن يشكو من شيء. كانت جلطة عابرة لم يلحق بها الأطباء، وسبق بها قدر الله. وكأن الله قد استجاب لدعائه الذي كان يردده دائمًا:"اللهم اجعلني من صحتي إلى قبري".


وعلى الرغم من أن رحيل كِلا الرجلين كان مؤلمًا، وفقدنا بسببهما وجودًا دافِئًا وضحكاتٍ لا تُعوّض، إلا أن وفاة خالي إبراهيم كانت أشدُّ وقعًا علينا، وأثقل على قلوبنا؛ لأنه رحل في ذروة صحته، دون مقدمات.


وهذا يقودنا دائمًا إلى حقيقة واحدة، وهي أن الموت ليس بالضرورة هو أسوأ ما قد يمرّ به الإنسان. فعلى الرغم من أن النهاية كانت واحدة في الحالتين، إلا أن الطريق إليها كان مختلفًا تمامًا. فسنوات المرض، وتكرار المراجعات، وفقدان الوعي، والوصول إلى أرذل العمر، قد تكون أشدُّ قسوةً من الموت نفسه.


إن الموت يا صديقي وعلى الرغم من هيبته ومراراته إلا أن ما قد يسبقه من عجزٍ وألمٍ وفقدانٍ للحياة الكريمة التي اعتدنا عليها قد يكون أشدُّ وطئًا من الموت نفسه، حين نخاف أن نكون عبئًا على من نحب، أو أن نعيش أيامًا لا نُدرك فيها من حولنا، ولا نُدرك حتى أنفسنا. نخاف أن تمتد الحياة بنا، لا لِنَعيشها، بل لِنُقاومها فقط. وهنا تحديدًا، يتغيّر تعريف “الراحة”، فلا يعود الموت خصمًا كما كنا نظن، بل يغدو – في بعض الأحوال – نهاية رحيمة لمسارٍ مُرهق.


وقد أدرك النبي ﷺ هذا المعنى العميق، فكان يستعيذ بالله من تلك المرحلة التي يفقد فيها الإنسان قوته وإدراكه، فقال:“اللهم إني أعوذ بك أن أُرَدَّ إلى أرذل العمر".


وخِتامًا، تبقى الحقيقة الأهم هي أن الحياة لا تُقاس بطولها، بل بامتلائها. فكم من عمرٍ قصير كان مليئًا بالأثر، وكم من عمرٍ طويل مرّ دون أن يشعُر صاحبه أنه عاشه حقًا. لعلّ السؤال الذي يستحق أن يُراودنا ليس: “متى سنموت؟”، بل: “كيف نعيش حتى ذلك الحين؟” أن نعيش بوعي، بطمأنينة، وبقلبٍ راضٍ!

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

اطفئ عقلك!

الخلطة السريّة للنجاح!

شكرًا عبدالعزيز!