سطوة الشغف!

تُدهِشنُي تلك اللحظة التي يتبدّل فيها الإنسان حين يلامس الحديث شيئًا يسكِنُ شغفه، إذ يتفاعل وكأن العالم كله انحنى ليُصغي له، وكأن الكون، بكل اتساعه، قد اختار أن يتمحور حول تلك الفكرة التي أحبّها!

كنتُ يومًا أتحاور مع صديقي عماد عن سباقٍ للسيارات أُقيم في حلبة البحرين الدولية قبل عدة أشهر، بين متسابقَين لا أعرفهما، وربما لن أعرفهما أبدًا بعد ذلك اليوم، فإذا بالحماس يقفز في عينيه، وكأنه هو من اعتلى منصة التتويج، لا مجرد متابع عابر!


وأما ابن أختي الصغير عبدالله، فحدّث ولا حرج! حيث كان يروي لي أحداث حلقة طريفة من مسلسل “شباب البومب” بضحكاتٍ لا تنتهي، وحماسٍ لا يُوصف، حتى خُيّل إليّ أن هذه الحلقة تحديدًا ستنافس على جائزة الأوسكار في نهاية العام!


ولستُ أبالغ إن قلت إن روح جابر بن حيّان قد تجسّدت في صديقي القريب إلى قلبي -عدنان- وهو يحدثني بشغف عن فصل المركبات الكيميائية في المختبر، حتى ظننتُ لوهلة أنه سيُعلن في ختام حديثه اكتشافًا يقلب موازين العلم، أو يعيد رسم ملامح الجدول الدوري!


والأعجب من ذلك يا صديقي، أنني أجِدُ هذا الشعور يتسلّل إليّ أنا أيضًا، حين أتحدث عمّا أحب، كفوز ريال مدريد بدوري الأبطال، أو تجربة علمية مثيرة، أو حتى قصة مؤثرة قرأتها في كُتب التاريخ، أشعر حينها أن الزمن يركضُ بي، وأن الدقائق تتلاشى دون أن تمنحني فرصة لألتقط أنفاسي!


كل هذه المشاهد تقول لنا شيئًا واحدًا بوضوح، وهو أن الإنسان حين يتحدث عمّا يحب، فإنه لا يكتفي بنقل فكرة، بل يكشف عن قطعة خفيّة من روحه، عن جانبٍ نابض من ذاته، وكأن العالم كله يدور حوله.


وهذا يقودنا إلى حقيقة جميلة، وهي أن الشغف لا يُقاس بعلوّ الموضوع أو أهميته، بل بصدق الشعور تجاهه، فقد ترى من يحدّثك عن أمرٍ بسيط، لكنه يكسوه بحبّه حتى يغدو في عينيك جديرًا بالاهتمام، وكأن الشغف يمنح الأشياء قيمتها، لا العكس.


أعتقد يا صديقي بان الشغف لا يغيّر الحديث فحسب، بل يغيّرنا نحن أيضًا. حيث يجعلنا أكثرُ حضورًا، أكثر صدقًا، وأكثر حياة. ولهذا السبب، تبقى بعض الأحاديث عالقة في الذاكرة، لا لقيمتها في ذاتها، بل لأن من قالها كان يؤمن بها لدرجة أن صوته حملها إلينا نابضة كما هي في داخله!

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

اطفئ عقلك!

الخلطة السريّة للنجاح!

شكرًا عبدالعزيز!