يقظةُ الرُّوح!
تأسِرُني تلك الدهشة التي أراها في عينيّ ابني الصغير عبدالملك، حين يشاهد شيئًا غير مألوفًا فيطلق تعليقه المحبب إلى قلبي: “أحا!”، وكأن العالم ما زال جديدًا تمامًا في نظره، مليئًا بالمفاجآت التي تستحق الانبهار.
وتأسِرُني كذلك ردة فعل خالتي الكبيرة نعيمة، وهي تتأمل التغيرات التي طرأت على شوارع الأحساء كلما خرجت معي لمشوارٍ ما، فلا تتردد في إظهار إعجابها بالتفاصيل الصغيرة قبل الكبيرة، من الأنفاق الحديثة، إلى العمائر المرتفعة، وحتى الزخارف الأحسائيّة التي زيّنت بوابة القيصريّة، وكأنها ترى المدينة بعينٍ تحفظ الماضي وتندهش بالحاضر في آنٍ واحد.
والحقيقة يا صديقي أننا مُحاطون بقدرٍ هائل من الجمال، إلا أن ازدحام الحياة، وكثرة المسؤوليات، وتسارع الأيام، جعلتنا نتجاهل الكثير من التفاصيل دون أن نمنحها لحظة تأمل واحدة. أصبحنا ننظر للأشياء لكننا لا نراها بجمالها الحقيقي، وتمرُّ بنا الأشياء المدهشة وكأنها أمورٌ اعتيادية لا تستحق التوقف وتأمل جمالها بدقة!
أعتقد أن الدهشة واحدة من أجمل النِّعم التي ينبغي للإنسان أن يحافظ عليها، وأن يبحث عنها كلما أثقلته الحياة. أنت تلاحظ نفسك مثلًا، كيف تشعر بسعادة خفيفة حين تندهش من أكلة لذيذة تحسّستها بكل جوارحك، أو أصغيت لقصّة صديقك بإذعان تام حتى عشت اللحظة كما لو كنت جزءً منها. هذه اللحظات الصغيرة لا تغيّر العالم، لكنها تُرمّم شيئًا خفيًا بدواخلنا.
إنّ أكثر ما يُخيف في هذا الزمن، ليس الحزن أو التعب بذاته، بل أن نفقد قدرتنا على الدهشة والتفاعل مع ما يُحيط بنا من جمال، أن تفوتنا لحظات حقيقية من الاستمتاع دون أن نشعُر، أن نشاهد أمهاتنا يهرمن فجأة، أن يكبر الصغير بسرعة، أو يتلاشى الأصدقاء واحدًا تلو الآخر من حولنا بينما نحن منشغلون بأمور سرقت منّا انتباهنا للحياة نفسها دون أن نشعُر بذلك!
فبعضُ النِّعم لا يغيب أثرها دفعةً واحدة، بل تتسرّب من أعمارنا بهدوءٍ وبطء، حتى نستيقظ يومًا ونكتشف أننا كنّا نعيش وسط كل هذا الجمال، دون أن ننتبه إليه. توقّف قليلًا يا صديقي، تأمّل ما حولك، وعِش الحياة بكل تفاصيلها الصغيرة قبل الكبيرة، ولا تسمح لشيءٍ أن يسرق منك لذّة اللحظة وهي تمرّ أمامك!
تعليقات
إرسال تعليق