ماذا علمني كورونا ؟!
بعد محادثة قصيرة مع صديقي المقرّب خلال أيام الحجر المنزلي المصاحب لتفشي جائحة كورونا عام 2020، أدركنا أن ثمّة أشياء كثيرة لا تُعوّض.
أدركنا أن المال لا يشتري السعادة، وأن الصحة هي أثمن ما يملكه الإنسان. أدركنا أن احتساء قهوة الصباح كل يوم في مكتبنا الصغير، وإنجاز مهام أعمالنا، والخروج متى شئنا، كلها نِعم اعتدنا عليها حتى نسينا أنها نِعم.
كما أدركت أن استقبال ابني لي بعد يوم عملٍ شاق، وتناول وجبة الغداء مع زوجتي، وجلسات الأهل في نهاية كل أسبوع، ليست تفاصيل عابرة كما كنت أظن، بل لحظات تستحق أن تُعاش بكل امتنان.
يا رجل، أصبحت أفتقد أشياء كنت أتهرب منها أحيانًا؛ المناسبات العائلية، والصلاة في المسجد، وقراءة كتابي المفضل في الحديقة، وحتى مصافحة صديقٍ لم أكن أتصور يومًا أن المصافحة نفسها قد تصبح أمنية.
الحقيقة أن جائحة كورونا لم تكن مجرد أزمة صحية، بل كانت درسًا جماعيًا علّم العالم أن الإنسان لا يعرف قيمة كثيرٍ من النعم إلا عندما تُسلب منه مؤقتًا. وكأن الحياة أرادت أن تُعيد ترتيب أولوياتنا، وأن تُذكّرنا بأن أجمل ما نملكه ليس دائمًا أغلاه ثمنًا.
ولعلها تشبه، إلى حدٍ ما، شعور الإنسان بعد فقدان شخصٍ عزيز، حين يتمنى لو عاد به الزمن ليقول كلمةً لم يقلها، أو يقضي ساعةً إضافية معه. لكن الفارق أن كورونا منحت معظمنا فرصةً نادرة؛ فرصة أن تعود الحياة من جديد، وأن نُعوّض ما فات.
فلا تبخل بأن تقول لوالدتك إنك تحبها أكثر من أي شيء آخر، ولا تؤجل احتضان ابنتك، ولا تنسَ أن تمتدح فستان زوجتك الذي ارتدته لأجلك، أو تشكر زميلًا اعتدت أن تراه كل صباح، أو تستمتع بفنجان قهوة دون أن تستعجل نهايته.
إن كنت تعتقد أن الحياة في زمن كورونا لم تحمل سوى الخسائر، فأظن أنك لم تنظر إلى الوجه الآخر منها. فقد صنعت من كثيرٍ منا أشخاصًا أكثر امتنانًا، وأكثر تقديرًا للتفاصيل الصغيرة، وأكثر وعيًا بأن النعم لا تُقاس بحجمها، بل بغيابها.
لكل أزمة سلبياتها وإيجابياتها، لكننا ونحن نعيشها لا نرى غالبًا إلا ما فقدناه. أما بعد أن تنقضي، فسنكتشف أنها تركت في داخلنا شيئًا لم يكن موجودًا من قبل؛ عينًا ترى النعم التي كانت تمر بها كل يوم، دون أن تلتفت إليها.
تعليقات
إرسال تعليق