العمّ أبو علي!
أذكر قبل بضع سنين كنتُ أرتاد محلّ حلاقة يملكه شيخ تركي بلغ من العمر عِتيًّا، يُدعى العم أبو علي. كان يحمل على باطن ذراعه الأيمن وشمًا على هيئة نسر، ويُدخّن السيجار الكولومبي بشغف كما يزعم. أما الصلاة، فحدّث ولا حرج في تأخيرها حينًا وتفويتها أحيانًا. ومع ذلك، لم أدخل عليه يومًا إلا وخاتم التسبيح في يده لا يفارقه، ولسانه يلهج بالاستغفار دون انقطاع.
أثار ذلك فضولي، حتى تجاسرت وسألته ذات يوم في سبيل أن يُحرّك ذلك وجدانه نحو الصلاة: “يا عم أبو علي، ما دمت لا تحافظ على الصلاة، فلماذا لا تفتر عن الاستغفار؟”
ابتسم بهدوئه المعهود وقال لي: “يُوسف، كلنا نخطئ، ولكل منا نصيبه من الذنوب والخطايا. أنا أدرك ذلك، وأدعو الله كل ليلة أن يهدي قلبي، لذلك لا أكف عن الاستغفار، لعلي بذلك أبلغ رضا ربي ويهدى قلبي”.
كلمات العمّ أبو علي رغم بساطتها لكن كان لها من الأثر الذي لامس قلبي وأستقرّ في نفسي، بل وأعاد إلى ذاكرتي قول أستاذي وشيخي الحبيب الشيخ محمد الحوّاس، حين كنت أدرس عنده قبل عشرين عامًا، إذ كان يردد علينا دائمًا: “لا تتركوا الصلة بالله مهما قصّرتم، فالصلاة حبل، والاستغفار حبل، والصدقة، والخلق الحسن، والكلمة الطيبة… كلها حبال تربط العبد بربه. وإن انقطع أحدها، فلا تدع البقية تنقطع، لأن بقاء واحدٍ منها كفيل بأن يعيدكم إلى طريق الله مهما ابتعدتم” وهذا بالضبط ما فعله العم أبو علي، تمسّك بحبل الاستغفار، فظل قلبه موصولًا بالله رغم تقصيره.
لا تترك العمل الصالح بسبب ذنوبك يا صديقي، فإن ترك الطاعة أعظم من الذنب الذي تظن أنك تتورع منه. بمعنى لا تجعل ذنبك سببًا لترك العبادة، فترك الطاعة يُغلق باب الرجوع إلى الله. إن الشيطان لا يريد فقط أن تقع في المعصية، بل يريد أن تيأس بعدها، لأن اليأس يقطع طريق العودة إلى الله. أما تمسكك بالطاعة، ولو كنت على خطأ، فهو دليل على حياة قلبك، وهو الباب الذي سيقودك في النهاية إلى التوبة الصادقة.
ختامًا، علّمني العم أبو علي -دون أن يقصد- أن الله لا ينظر إلى نقائنا بقدر ما ينظر إلى محاولاتنا للعودة إليه. فالمؤمن الحقيقي ليس من لا يذنب، بل من لا يقطع الطريق إلى الله مهما أثقلته الخطايا. إن الاستغفار، والصلاة، والكلمة الطيبة، ليست فقط عبادات، بل خيوط نور تُبقي القلب حيًا، وتذكّرنا أن الرحمة الإلهية أوسع من كل خطيئة، وأن من تمسّك بحبل واحد من تلك الحبال، فلن يضل طريقه أبدًا!
تعليقات
إرسال تعليق