الإيكيغاي!
أذكُر قبل فترة قريبة شاهدت فيلمًا وثائقيًا عن اليابان، وتحديدًا عن جزيرة أوكيناوا التي تبعد عن العاصمة طوكيو قرابة 1500 كيلومتر. وقد اشتهر سكان هذه الجزيرة بأمرٍ مثيرًا للفضول، فهم من أكثر شعوب العالم تمتعًا بطول العمر، ليس فقط من حيث عدد السنوات التي يعيشونها، بل من حيث جودة تلك السنوات أيضًا. حيث كانوا يبدون أكثر هدوءًا، وأكثر رضا، وأكثر تصالحًا مع الحياة رغم بساطة ما يملكونه. والأهم من ذلك أن لديهم مصطلح يؤمنون به تمامًا وهو ما يُسموّنه 'الإيكيغاي'!
والإيكيغاي كلمة يابانية تتكون من مقطعين “Iki” وتعني الحياة، و”Gai” وتعني القيمة أو السبب. ويُقصد بها ذلك الشيء الذي يجعل الإنسان يستيقظ صباح كل يوم وهو يشعر أن ليومه معنى يستحق أن يعيش من أجله.
لكن ما شد انتباهي حقًا أن اليابانيين لا ينظرون إلى هذا المعنى بالطريقة التي ينظر بها كثير منا. فحين نتحدث عن معنى الحياة، يتبادر إلى أذهاننا غالبًا مشروع ضخم، أو إنجاز استثنائي، أو حتى هدف كبير نطمح للوصول إليه يومًا ما. أما هم فيرون أن المعنى قد يكون مختبئًا في تفاصيل صغيرة جدًا نعيشها كل يوم دون أن نلتفت إليها.
فقد يكون الإيكيغاي لدى معلم يذهب إلى فصله الدراسي كل صباح لأنه يشعر أن وجوده يحدث فرقًا في حياة طلابه أو قد يكون لدى شخص مسن يعتني بحديقته الصغيرة كل صباح وكأنها مشروع حياته كلها.
أعتقد أن كثيرًا من مشكلاتنا اليوم لا تعود إلى كثرة الضغوط أو صعوبة الحياة بقدر ما تعود إلى فقدان هذا المعنى. فكم من شخص حقق أهدافًا كان يظن أنها ستمنحه السعادة، ثم اكتشف بعد الوصول إليها أنه لا يزال يشعر بالفراغ. وكم من شخص ينتظر دائمًا المحطة القادمة ليبدأ الاستمتاع بالحياة، ينتظر التخرج، ثم الوظيفة، الترقية، المنزل، ثم التقاعد، وكأن الرضا مؤجل دائمًا إلى موعد آخر لا يأتي أبدًا.
الحقيقة يا صديقي أننا أقنعنا أنفسنا أن السعادة حدثٌ كبير، بينما هي في حقيقتها مجموعة من اللحظات الصغيرة التي نعيشها كل يوم. فنجان قهوة هادئ في الصباح، ساعة تقضيها أمام شاشة التلفاز لمتابعة مسلسلك المفضل، أو حتى حديث لطيف مع شخص قريب إلى قلبك تجعلك تشعر بأنها أثمن من إنجاز انتظرته لسنوات طويلة.
في إعتقادي أن سكان أوكيناوا لا يعيشون أعمارًا أطول لأن حياتهم أسهل من حياة الآخرين، أو أنهم يواجهون مشاكل وضغوط أقل من غيرهم، بل لأن لديهم معنى يجعلهم يستيقظون كل صباح بروح جديدة وشغف لا ينتهي!
إنّ أجمل ما يخرج به الإنسان من مفهوم الإيكيغاي ليس البحث عن هدف عظيم يغيّر العالم، بل البحث عن ذلك المعنى البسيط الذي يجعل أيامه أكثر امتلاءً وطمأنينة. فليس مطلوبًا أن تكون حياتك استثنائية حتى تكون سعيدًا، وإنما أن تجد فيها شيئًا تحبه، وغايةً تؤمن بها، وأشخاصًا تشعر أن وجودك بينهم له قيمة.
ففي النهاية يا صديقي، لا تُقاس الحياة بعدد السنوات التي نعيشها، بل بعدد المرات التي شعرنا فيها أن لحياتنا معنى يستحق أن نعيش من أجله!
تعليقات
إرسال تعليق