الإيكيغاي! 🇯🇵
واحدة من أجمل الأفلام الوثائقية التي شاهدتها مؤخرًا كانت عن سُكان قرية ”أوجيمي” الواقعة في جزيرة أوكيناوا، والتي تبعد عن العاصمة اليابانية طوكيو قرابة 1500 كيلومتر.
وقد أثارت هذه القرية الصغيرة فضولي كثيرًا عندما علمت أن سكانها يُعدّون من أكثر شعوب العالم تمتعًا بطول العمر، ليس من حيث عدد السنوات التي يعيشونها فحسب، بل من حيث جودة تلك السنوات أيضًا. ناهيك عن هدوئهم اللافت وتصالحهم العجيب مع الحياة. والأجمل من ذلك أنني تعرّفت من خلالهم على مفهوم ياباني جميل يُدعى “الإيكيغاي”.
ولفهم معنى الإيكيغاي بصورة أوضح، فهي كلمة يابانية تتكون من مقطعين، الأول “Iki” ويعني الحياة، والثاني “Gai” ويعني القيمة أو السبب. أما معناها ببساطة، فهو ذلك الشيء الذي يمنح أيامك معنى، ويجعلك تستيقظ كل صباح وأنت تشعر بأن هناك أمرًا جميلًا يستحق أن تبدأ يومك من أجله.
والجميل في هذا المفهوم أنه يغيّر نظرتنا إلى الحياة قليلًا، إذ يجعلنا نتوقف عن مطاردة الإنجازات الكبرى بوصفها المصدر الوحيد للسعادة، ويُعيد انتباهنا إلى المعاني الصغيرة التي تمنح أيامنا قيمة حقيقية. فعندما يرتبط الإنسان بهدف يشعر نحوه بالانتماء، يصبح للاستيقاظ كل صباح طعم مختلف.
وليس المقصود هنا هدفًا استثنائيًا أو إنجازًا يغيّر العالم، بل قد يكون الأمر أبسط من ذلك بكثير. فقد يكون شغف معلم يذهب إلى فصله الدراسي كل صباح لأنه يؤمن بأن وجوده يصنع فرقًا في حياة طلابه، أو أبًا يجد سعادته في مرافقة أبنائه إلى مدارسهم. فالمعنى، في كثير من الأحيان، يسكن في التفاصيل البسيطة التي نعيشها كل يوم دون أن نلتفت إليها.
وأظُن أن جانبًا كبيرًا من معاناتنا اليوم لا يعود إلى صعوبة الحياة نفسها بقدر ما يعود إلى غياب المعنى الذي يمنحها قيمتها. فكثيرون منّا يحققون أهدافًا طالما ظنوا أنها ستجلب لهم السعادة، ثم يكتشفون أن شعور الفراغ ما زال يرافقهم. وآخرون يقضون سنوات طويلة وهم ينتظرون محطتهم القادمة، سواءً كانت وظيفة، زواجًا أو ترقية، معتقدين أن الحياة الحقيقية ستبدأ عندها.
بينما السرّ قد يكون أبسط من ذلك بكثير، وهو أن تستيقظ كل صباح وأنت تعرف لماذا تبدأ يومك، وأن تجد فيما تفعله ما يجعلك تشعر بأن لهذا اليوم قيمة، وأن رحلتك في الحياة جديرة بالاستمرار.
ولعلّ أجمل ما يمكن أن نتعلمه من هذه الثقافة اليابانية ليس البحث عن هدف عظيم نغيّر به العالم، بل البحث عن ذلك المعنى البسيط الذي يجعل أيامنا أكثر امتلاءً وطمأنينة. فليس مطلوبًا أن تكون حياتك استثنائية حتى تكون سعيدًا، بل أن تجد شيئًا تحبّه، وغاية تؤمنُ بها، وأشخاصًا تشعر أن وجودك بينهم يصنع فرقًا حقيقيًا!
تعليقات
إرسال تعليق