خالي بو سامي!
دعني أُخبرك يا صديقي بقصّةٍ قصيرة، لكنها أثقل من عُمرٍ كامل. اصغِ لها بقلبك، واحفظها في ذاكرتك، ثم أخبر بها أبناءك يومًا ما. لقد تُوفّي أبي وأنا في الثالثة من عمري، وكانت لي أختٌ تكبرني بعامين، وأخٌ أصغر منّي بسنواتٍ قليلة. يومها ظنّت أمي أن الحياة قد فتحت أبواب قسوتها علينا دفعةً واحدة، وأن أيّامنا المقبلة لن تكون سوى طريقٍ طويلٍ من الخوف والعتمة!
لقد كنّا يا صديقي ثلاثةَ أبناءٍ وأمًّا مكلومة، تقف وحدها أمام طريقٍ مُظلم. لك أن تتخيّل كيف كان يمكن لحياتنا أن تغدو، خوفٌ طويل، ووِحدةٌ قاسية، وأبوابٌ موصدة، لو لم يمنّ الله علينا برجلٍ ظهر في عزّ تلك العتمة كالفارس الشهم.
لم يكن بطلًا تُروى فتوحاته في كتب التاريخ، ولم يغزُ في بدر، ولم يكن ممّن فُتحت على أيديهم القسطنطينية، لكنه خاض معركةً لا تقلّ شرفًا ولا شراسةً عن أعظم المعارك، معركة عنوانها كفالةُ الأيتام، وجبرُ القلوب، وحمايةُ أرواحٍ صغيرة كادت أن تسقط تحت قسوة الحياة.
ذاك الرجل يا صديقي كان خالي إبراهيم، أو إن صحّ التعبير، أبي وقدوتي ومُلهمي والمخرج الذي أهربُ إليه كُلما شعرتُ بالخوف والألم. فخالي بو سامي -كما يُحب أن يُنادونه الناس- لم يتوانى أبدًا في جبر خاطر أو إنفاق مال حتى غدا وجوده هي الطمأنينة التي تسري إلى قلبي!
لقد كان يا صديقي أكبرُ من أن تختصره بضعةُ أسطرٍ على ورق، وأعظم من أن تُحيط به الكلمات مهما بلغت بلاغتها. كان روحًا طيّبةً بعثها الله في هيئةِ بشر، يسعى بين الناس ليخفّف عنهم أثقال الحياة ويزرع الطمأنينة في قلوبهم. ومهما حاولتُ وصفه، سيبقى في داخلي شعورٌ دائم بأنني لم أوفِّه حقَّه.
وذاتُ صباحٍ، وفي تمام الساعة السادسة والثامنة والأربعين دقيقة، رنّ هاتفي في وقتٍ لم يعتد أن يرنّ فيه أبدًا. كان في الأمر شيءٌ ثقيل منذ اللحظة الأولى، وكأن قلبي أدرك الخبر قبل أذني. أجبتُ الاتصال، فإذا بصوتِ رجلٍ يرتجف خوفًا، صوتٍ متكسّرٍ لم أسمع مثله في حياتي قط. كان يلهث بين كلماته، وكأن الحروف نفسها عاجزةٌ عن الخروج، ثم قال بصوتٍ مهزوز: “خالك إبراهيم مات!”
مات؟ هكذا ببساطة؟ هكذا فجأةً، دون مقدّماتٍ تليق برجلٍ كان يشبه الطمأنينة نفسها؟
في تلك اللحظة شعرتُ أن الدنيا انسحبت من تحت قدمي دفعةً واحدة. لم أستوعب الصدمة، وظننتُ أنني أعيش كابوسًا ثقيلًا سأستيقظ منه بعد قليل. كنتُ أظن أن عمري لم يتجاوز الثامنة عشرة، فإذا بي في لحظةٍ واحدةٍ أتجاوز الستين من فرط ما حملته روحي من وجع. كبرتُ يا صديقي بين ليلةٍ وضحاها، لا لأن السنوات مرّت، بل لأن الرجل الذي كنتُ أستند عليه اختفى فجأة.
كيف رحل خالي هكذا؟ كيف يمضي الإنسان مطمئنًا لأن هناك روحًا تحتضنه كلما أثقلته الحياة، ثم يستيقظ ذات صباح ليجد تلك الروح قد غابت إلى الأبد؟
لقد كان أكثر من خال. كان أبي حين غاب الأب، وسندي حين مالت الحياة، والوجه الذي أهرب إليه كلما شعرت بالخوف أو الضياع. أصبحتُ فجأةً المسؤول الأوّل عن عائلة كاملة، حاولت أن أبدو قويًا بينما قلبي كان طفلًا يبكي من الداخل، يبحث عن “بو سامي” بين الوجوه، وينتظر أن يدخل علينا كعادته وكأن شيئًا لم يحدث.
لقد علّمني كل شيء، علّمني كيف أميّز القلوب الصادقة من بين آلاف الوجوه، كيف أعرف الطريق الصحيح حتى وسط أكثر الطرق ازدحامًا، كيف أعرف الرجال، وكيف أقف بثباتٍ حين تميل الأيام. تعلّمتُ منه الشدّة التي لا تظلم، والحِلم الذي لا يضعف، والحكمة التي تأتي من قلبٍ جرّب الحياة طويلًا. أخذتُ منه الصبر، وأخذتُ منه الطمأنينة، وأخذتُ منه القدرة على جبر الخواطر دون ضجيج.
لكنه، لم يعلّمني كيف أعيش هذا اليوم. لم يخبرني كيف ينام الإنسان ليلته الأولى دون الرجل الذي كان يشعره أن الدنيا، مهما قست، ما زالت بخير. لم يخبرني كيف يبدو البيت بعد رحيل أكثر شخصٍ كان يمنحه روحًا. ولم يخبرني كيف يمكن لقلبٍ صغير أن يتحمّل كل هذا الغياب دفعةً واحدة.
ومنذ ذلك الصباح يا صديقي، أدركتُ أن بعض الناس لا يرحلون وحدهم، بل يرحل معهم جزءٌ كاملٌ من أرواحنا!
لم يكن مريضًا ولا ضعيفًا. كان شامخًا كالجبل . قويًا لا يكسرهُ شيئًا. حتى في موته يا صديقي كان قويًا. ملامحه هي نفسها ، تقاسيم وجهه وهو في كفنِه تجعل كُل من حضر يُخفض رأسه من هيبته . يا لَهُ من رَجُل حقًّا.
لا زلت أتذكر كيف نقلته إلى المستشفى عندما تعب، لقد سرّح شعرهُ الرمادي بأناقة، وارتدى ثوبه الأخير بابتسامته المعهودة، لم يبدُ عليه بأن هذا هو خروجه الأخير من منزله، حتى رأيت دمعته لأول مرّة في حياتي وهو على سرير المستشفى، عندما أدرك أنها سويعات وستُغلق عيناه إلى الأبد، هذه الدمعة جعلتني أتعاهد الله بأني سأكون يوسف كما يريده بو سامي! سأخدم أخوته وأحبابه بكل ما أوتيت من قوّة، سينتهي الأمر كم يحب هو، سأظل أذكره في جميع تفاصيل يومي، في أبنائي، في أحلامي وحتى في تعاملاتي مع الآخرين، سأظل أدعوا له وأدعوكم لأن تدعوا له!
مرّت عشرُ سنوات كاملة على موته، ولا زال يزورني في ذكرياتي وبين طيّات قلبي! رحمك الله يا حبيبي 🤍
تعليقات
إرسال تعليق