داءُ العَجَلة!
ويبقى السؤال الذي يُطاردني منذ سنوات طويلة وحتى يومنا هذا: إلى متى هذه العجلة؟
بدأت حكايتي مع 'العجلة' في الأيام التي كانت فيها والدتي ترقد في المستشفى، حين كنت أقود مسرعًا كلما سنحت لي فرصة لزيارتها، وكأن كل دقيقة تأخير قد تحرمني من رؤيتها أو الاطمئنان عليها. ومنذُ تلك اللحظة تعلّمت -دون أن أشعر- أن أركض خلف الوقت دون توقف!
ثم جاء ذلك اليوم الذي توفي فيه خالي في السيارة وأنا أنقله إلى المستشفى. مشهدٌ لا يغادر الذاكرة، ولا يمرّ عليه الزمن كما تمرّ بقية الأحداث. في ذلك اليوم ترسّخ في داخلي شعورٌ قاسٍ بأن الوقت ليس مضمونًا كما نتصوّر، وأن دقائق قليلة قد تفصل أحيانًا بين الحياة والموت.
وبينما كانت تلك المخاوف تستقرّ في أعماقي عامًا بعد عام، جاء وباء كورونا في عام 2020 ليمنحها شكلًا أوضح وصوتًا أعلى. فجأةً أصبح العالم كله يعيش على إيقاع القلق والاستعجال والترقّب. كنّا نُسابق الوقت قبل بدء الحجر، ونركض لإنجاز ما نستطيع قبل أن تُغلق الأبواب وتخلو الشوارع من الناس.
ومنذ ذلك الوقت أشعر أن شيئًا ما استقرّ في داخلي ولم يغادرني منذُ ذلك الحين. وكأن جزءًا مني ما زال عالقًا في تلك الأيام، يظن أن الأبواب ستُغلق في أي لحظة، وأن الفرصة التي لا تُغتنم الآن فلن تعود مجددًا. ربما اجتمعت مخاوفي القديمة مع أجواء الجائحة، فترسّخ في داخلي شعورٌ دائم بأن عليّ أن أُسرع في كل شيء، وكأن التمهّل ترفٌ لا أملكه، أو خطرٌ لا ينبغي الاقتراب منه.
حيثُ أصبحت أستعجل في أمور لا تستحق الاستعجال أصلًا. أستعجل في قيادة السيارة، وفي الخروج من المنزل، وفي الوصول إلى وجهتي، وحتى في الأشياء التي كنت أمارسها قديمًا بكثير من الهدوء والمتعة.
والأغرب من ذلك أن هذه العجلة تسللت حتى إلى واحدة من أحب الطقوس اليومية إلى قلبي وهي إعداد قهوتي الخاصة! ذلك الطقس الذي كنت أمارسه ببطء جميل، مستمتعًا بكل تفصيلة فيه، من طحن البُن، إلى رائحة القهوة وهي تتصاعد، إلى انسياب الماء فوقها بهدوء. كان وقتًا صغيرًا أهرب فيه من صخب الحياة، فإذا به يتحول شيئًا فشيئًا إلى مهمة أخرى أريد الانتهاء منها بأسرع وقتٍ ممكن.
الحقيقة يا صديقي أنني أجلس مع نفسي أحيانًا، وأتأمل هذا الركض المتواصل الذي لا يكاد ينتهي، فأُسائلها: إلى أين نمضي بكل هذه العجلة؟ وما الذي نخشى فواته إن تمهّلنا قليلًا؟ ثم أكتشف أنني لا أطارد شيئًا بعينه، بل أطارد عادةً قديمة جعلت من الركض وجهتي حتى حين لا تكون هناك وجهة.
لقد تعلّمت مع مرور الوقت بأن العجلة لا تسرق الوقت كما نظن، بل تسرق الإحساس بالوقت. تجعلنا نصل إلى الأماكن أسرع، لكننا لا نشعر أننا عشنا الطريق. وتجعلنا نُنجز المهام، لكننا لا نتذوق متعة إنجازها. وتمضي الأيام واحدًا تلو الآخر، لا لأنها قصيرة، بل لأننا نعبرها مسرعين دون أن نمنحها ما تستحقه من حضور وانتباه.
لذلك أصبحت أُدرّب نفسي، مرةً بعد أخرى، على أن ليس كل شيء يحتاج إلى سرعة، وأن بعض أجمل ما في الحياة لا يُرى إلا حين نتمهّل. أحاول أن أترك لأبنائي وقتهم، وأن أستمتع بالطريق قبل الوصول، وأن أُعدّ قهوتي كما كنت أفعل قديمًا، ببطء، وامتنان، وحضور.
لا أعلم إن كنت سأنجح يومًا في التخلص من هذه العجلة تمامًا، لكنني أحاول. أحاول أن أعيش اللحظة قبل أن تتحول إلى ذكرى، وأن أستمتع بالطريق قبل نهايته، وأن أتذكر بين حينٍ وآخر أن الحياة ليست سباقًا إلى خط الوصول، بل رحلةٌ قصيرة لا تستحق أن نعبرها على عَجَل!
تعليقات
إرسال تعليق