رحمة الأبواب المُغلقة!
ستُرفض يا صديقي مرّاتٍ عديدة، وستسمع كلمة “لا” في طلباتٍ لا حصر لها، وذلك ليس انتقاصًا لشخصك أو تقليلًا من قيمتك، بل لأن هذه هي طبيعة الحياة منذ أن بدأت. فلا أحد يمضي في طريقه وهو يحظى بالقبول الدائم، ولا أحد تُفتح له جميع الأبواب كما يرغب.
لقد تعلّمتُ منذ فترة ليست بالقصيرة أن أُدرّب نفسي على سماع كلمة “لا”، حتى في أمورٍ كنت أظنّ أن “نعم” فيها أمرٌ محسوم. ومع الأيام أدركتُ أن كثيرًا من أنواع الرفض لم تكن موجّهةً لشخصي، بل كانت تدبيرًا إلهيًا صرف عنّي ما لم أكن أراه، وأبعدني عن شرًا كنت أظنّه خيرًا، أو أخّرني عن طريقٍ ظننته مناسبًا لي بينما النجاة كانت في الابتعاد عنه.
إنّ الإنسان بطبيعته يربط القبول بالمحبّة، ويربط الرفض بالإهانة، بينما الحقيقة أن الحياة لا تسير بهذه البساطة. فقد تُرفض رغم كفاءتك، وقد تُغلق الأبواب في وجهك وأنت أهلٌ لها، وقد تخسر أمرًا تمنّيته طويلًا، ليس لأنك لا تستحقّه، بل لأن المشيئة الإلاهيّة كانت تُعيد ترتيب الحكاية بطريقةٍ لا يفهمها قلبك في حينها.
ومنذ الأزل كان الرفض أحد القوانين التي قامت عليها الحياة، بل إن ذلك لم يكن حصرًا علينا نحن عامة الناس، وإنما طال الأنبياء والملوك والعظماء. فهذا نبيّ الله محمد ﷺ حين ذهب إلى الطائف يلتمس النصرة بعد أن اشتدّ عليه أذى قريش، حيث قوبل بالرفض والأذى والطرد، حتى أصبحت تلك الحادثة واحدةً من أكثر المواقف ألمًا في سيرته الشريفة. ومع ذلك، لم يكن رفض الطائف نهاية الرسالة، بل كان في الحقيقة بداية اتساعٍ لم يدركه أحد في تلك اللحظة.
الحياة يا صديقي ليست ساحةً للقبول الدائم، بل بوابةٌ واسعة يتعاقب فيها الرفض والقبول، الخسارة والعوض، الإغلاق والانفراج. قد تُرفض في وظيفة، أو حلم، أو علاقة، أو حتى من أشخاصٍ كنتَ تظن أنهم الأقرب إلى قلبك. وليس معنى ذلك أنك سيّئ، أو غير كفؤ، بل لأن الحكمة كلّها كانت في أن تسمع “لا” في تلك اللحظة تحديدًا.
ولعلّ النضج الحقيقي أن نُدرِك بأن الرفض جزءٌ أصيل من هذه الحياة، لا حالةٌ استثنائية فيها. أن نتقبّله دون أن ننكسر، وأن نمضي في الحياة دون أن تتحوّل الخيبة دواخلنا إلى غضبٍ من الحياة أو كراهيةٍ للناس. أن نؤمن أن بعض الأبواب حين تُغلق، لا تُغلق عقوبةً لنا، بل رحمةً بنا.
اطمئن يا صديقي، ليس كل ما تمنّيته ولم يحدث كان خسارة، وليس كل بابٍ أُغلق في وجهك كان شرًّا. أحيانًا يكون أعظم لطفٍ من الله أن لا يمنحك ما أردته، لأن علمهُ بك كان أرحم من رغبتك أنت!
تعليقات
إرسال تعليق