الشخص الاستثنائي!

كان خالي إبراهيم رجلًا عظيمًا، أتكئ عليه كلما شعرت بالخوف. كنتُ كلما ضاقت بي الحياة أهرب إلى حضنه، فأشعر أن العالم عاد مكانًا آمنًا، وأن كل ما كان يخيفني قد أصبح أصغر مما كنت أتصور. كان يمتلك قدرةً غريبة على طمأنة من حوله، حتى خُيّل إليّ طويلًا أن الحياة لن تجود عليّ يومًا بشخصٍ يشبهه.


لكنني اكتشفت لاحقًا أن هذا الشعور لا يخصني وحدي.


فكل إنسان يحمل في داخله صورةً لشخصٍ يراه ملاذه الأخير، ذلك الذي يظن أن الحياة ما دامت تحتفظ به فلن يضيع، وأن الأبواب مهما أُغلقت ستظل تُفتح إذا وصل إليه. ولهذا السبب تحديدًا، يرى الأبناء آباءهم أبطالًا لا يُهزمون، وترى الطفلة أن يد أمها قادرة على إبعاد كل خوف، ويشعر الصغير أن وجود أبيه بجواره يكفي ليواجه العالم قاطبة.


ولعلها فطرة الله في الإنسان؛ فمنذ لحظة ولادتنا لا نتوقف عن البكاء حتى نُحمل بين ذراعي أمّهاتنا، وكأن أول درس نتعلمه في الحياة هو أن الطمأنينة لا تُولد داخلنا وحدها، بل يمنحها لنا إنسان آخر. ثم نكبر، فتتغير الأماكن وتتبدل الوجوه، لكن حاجتنا إلى ذلك الشعور لا تتغير أبدًا. ففي أول يوم دراسي، وأول وظيفة، وأول خسارة، وأول انكسار، نبحث بعفوية عن الشخص الذي يجعل الحياة أقل قسوة.


كان خالي واحدًا من هؤلاء الأشخاص بالنسبة لي. ولذلك سألته ذات يوم: من كان ملاذك أنت؟


ابتسم ابتسامةً هادئة، وقال: “في مرحلةٍ من حياتي كان أبي، وبعد وفاته أصبح صديقي أحمد. وستظل الحياة يا يوسف تُهديني أشخاصًا أستند إليهم حتى آخر يوم من عمري. وأنت أيضًا، لا تتوقف عن البحث عن ذلك الشخص، فلن تستقيم لك الحياة حتى تجده.”


مرت سنوات على تلك الكلمات، وكلما تقدمت بي الحياة أدركت أن الإنسان لا يحتاج دائمًا إلى من يحل مشكلاته، بقدر حاجته إلى من يطمئن قلبه وهو يعبرها. هناك أشخاص لا يغيّرون ظروفك، لكنهم يغيّرون الطريقة التي ترى بها تلك الظروف، فيصبح الحمل أخف، والطريق أقصر، والخوف أقل.


وربما كانت هذه واحدة من أعظم نعم الله على الإنسان؛ أن يرزقه شخصًا يشعر معه بأنه ليس وحده. ولهذا خلق الله حواء لآدم عليهما السلام، وجعل هارون سندًا لموسى عليه السلام، وشرّف نبيّنا محمدًا ﷺ بصحبة أبي بكر رضي الله عنه. فحتى أعظم البشر لم تُكتب لهم الرحلة وحدهم.


لذلك يا صديقي، لا تنشغل كثيرًا بعدد من تعرفهم، بل ابحث عن ذلك الإنسان الذي يمنح قلبك سكينةً كلما اضطرب، ويعيد إليك شجاعتك كلما أوشكت على الانطفاء. فالحياة مليئة بالمتاعب، لكن وجود شخصٍ واحد تشعر معه أنك مفهوم، ومقبول، وآمن، قد يجعلها أجمل بكثير مما تبدو.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

خالي بو سامي!

جبرُ الخواطر!

اطفئ عقلك!