جميعُنا نُخطأ!

هل شعرت يومًا بامتنانٍ كبير لذلك المعلم الذي تجاوز عن واجبك المنسي، واكتفى بابتسامةٍ بدلاً من العقاب؟ أو لرجل الأمن الذي لوّح لك بيده أن تمضي، بعدما كان بإمكانه أن يحرر مخالفةً بسبب خطأ ارتكبته؟

من الغريب أننا لا ننسى مثل هذه المواقف بسهولة، لأنها لا تمنحنا النجاة فحسب، بل تمنحنا شعورًا أعمق؛ شعورًا بأن أحدًا اختار الرحمة بدلًا من اللوم.


فالإنسان، بطبيعته، لا يرفض الاعتراف بخطئه بقدر ما يرفض أن يُشعره الآخرون بأنه أقل منهم بسبب ذلك الخطأ.


ولهذا فإن اللوم، في كثيرٍ من الأحيان، لا يدفع الناس إلى التغيير، بل يدفعهم إلى الدفاع عن أنفسهم. وما إن يشعر الإنسان بأنه موضع اتهام، حتى يبدأ بالبحث عن المبررات قبل أن يبحث عن الحلول.


ولهذا قال ليفينجستون لارند في مقالته الشهيرة “الأب يسامح”:


“بدلًا من إدانة الآخرين، علينا محاولة فهمهم، ومحاولة معرفة الدافع وراء ما يفعلونه.”


لأن الفهم يفتح أبوابًا يعجز اللوم عن الاقتراب منها.


قبل ما يقارب اثنتي عشرة سنة، تعرضت لحادث سير أثناء عودتي من المدرسة، وتضررت مقدمة السيارة بشكل كبير. لم يكن أكثر ما يؤلمني حينها منظر السيارة، بل انتظار عودة خالي من عمله. كنت أقضي تلك الساعات أتخيل كلمات العتاب، وأحاول أن أقدّر قوة “الصفعة” التي قد أستحقها.


عاد إلى المنزل، ونظر إلى السيارة، ثم نظر إليّ، وقال بهدوء:


“أهم شيء… أنت بخير؟ الحمد لله.”


انتهى الموقف عند هذه الجملة.


لكن أثرها لم ينتهِ حتى اليوم.


في تلك اللحظة، لم أشعر بأنني أفلتُّ من العقوبة، بقدر ما شعرت بمسؤوليةٍ أكبر تجاه الخطأ الذي ارتكبته. أدركت أن الرحمة قد تدفع الإنسان إلى مراجعة نفسه أكثر مما يفعل اللوم.


وأصبحت ألاحظ ذلك في مواقف الحياة كلها.


في بيئة العمل مثلًا، قد يرسل المدير ملاحظاته إلى أحد موظفيه، فيقضي الموظف معظم وقته وهو يحاول إثبات أن الخطأ لم يكن خطأه أصلًا، لا لأنه يرفض التطور، وإنما لأن النفس البشرية تدافع عن كرامتها قبل أن تدافع عن رأيها.


وفي المنزل، قد يكرر الأب نفس العبارات كلما أخطأ ابنه، معتقدًا أن كثرة اللوم ستصنع ابنًا أفضل، بينما يحدث العكس أحيانًا؛ فيتعلم الابن كيف يخفي أخطاءه، بدلًا من أن يعترف بها.


ولهذا، جرّب أن تبدأ بالسؤال قبل اللوم.


اسأل ابنتك عن السبب الذي جعلها تخفق في اختبارها، قبل أن تذكّرها بتقصيرها. واحتضن ابنك عندما يكسر شيئًا يحبه، قبل أن تحاسبه على ثمنه. واستقبل أخاك إذا تعثّر في عمله، كما تستقبله لو عاد منتصرًا.


ستكتشف أن الناس يعترفون بأخطائهم بسهولة أكبر عندما يشعرون أنهم في مساحةٍ آمنة، لا في قاعة محاكمة.


فالخطأ لا يحتاج دائمًا إلى من يذكّر صاحبه بأنه أخطأ؛ فهو يعلم ذلك في الغالب. لكنه يحتاج إلى من يساعده على النهوض بعده.


وتذكّر يا صديقي، أن الإنسان قد ينسى كثيرًا من الكلمات التي سمعها في حياته، لكنه لا ينسى أبدًا ذلك الشخص الذي كان رحيمًا به في لحظةٍ كان يتوقع فيها اللوم.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

خالي بو سامي!

جبرُ الخواطر!

اطفئ عقلك!