هّونها!
توفي والدي وأنا في الثالثة من عمري. كانت أختي منال تكبرني بسنتين، ويصغرني عبدالله بمثلهما. وفي ذلك الوقت، كان المجتمع يرى أن الابن الأكبر هو الوريث الحقيقي للأب؛ يحمل مسؤولية الأسرة، ويقضي حوائجها، ويكون سندًا لأمه وإخوته.
لكن الحقيقة أن خالي إبراهيم هو من حمل تلك المسؤولية.
ولأنه كان رجلًا بعيد النظر، حاول أن يصنع مني رجلًا في وقتٍ مبكر من عمري. فما إن بلغت التاسعة -أو أقل من ذلك بقليل- حتى بدأ يكلّفني بمهام لا تناسب طفلًا في مثل سني، وكان يقول لي بطريقة غير مباشرة: “أريد لوالدتك أن تجد من تعتمد عليه إذا غبت يومًا.”
واليوم، أدرك أن خالي لم يكن يربيني لذلك اليوم فقط، بل كان يربيني للحياة كلها. فبينما صنعت مني طفلًا يتحمل المسؤولية مبكرًا، حرمتني في المقابل من أشياء كثيرة كان ينبغي لطفلٍ في مثل عمري أن يعيشها.
كنت جادًا أكثر مما ينبغي.
لا أضحك عندما يلقي عبدالله نكتةً سخيفة كما يفعل بقية الأطفال، ولا أبكي في المواقف التي تستحق البكاء، وكأنني أقنعت نفسي منذ الصغر أن الرجولة تعني أن تخفي مشاعرك دائمًا.
حتى عندما رحل أغلى الناس إلى قلبي، خالي إبراهيم، لم أبكِ كما كنت أريد.
كنت أردد في داخلي: “أنا كبير… والكبار لا يبكون.”
يا لها من فكرة سرقت منّا أشياء جميلة.
ومع مرور السنوات، اكتشفت أن الحياة لا تطلب منا أن نكون جادين طوال الوقت.
بل ربما كانت أجمل لحظاتها هي تلك التي نسمح فيها للطفل الذي يسكن داخلنا أن يخرج قليلًا.
كانت بداية هذا الاكتشاف عندما قرأت مذكرات أحد أصدقائي المقربين، وهو يروي مواقفه الطريفة، وقد أطلق عليها اسمًا أعجبني كثيرًا:
“حماقاتي الجميلة.”
ابتسمت وأنا أقرأها، ثم سألت نفسي:
متى كانت آخر مرة فعلت فيها شيئًا لمجرد أنه أسعدني؟
أدركت حينها أن الحياة لا تحتاج إلى كل هذا الثقل الذي نحمله على أكتافنا.
فالجدية مطلوبة في المواقف التي تستحقها، أما بقية العمر، فهو بحاجة إلى شيء من الخفة، وإلى ضحكة لا سبب لها، ورحلة غير مخطط لها، وحديث عابر مع صديق، ولحظة ننسى فيها أننا نحاول أن نبدو كاملين طوال الوقت.
جرّب يا صديقي أن تضحك من قلبك، حتى وإن كان السبب بسيطًا. جرّب أن تؤجل بعض القلق، وأن تعيش يومًا دون أن تحاسب نفسك على كل تفصيل. جرّب أن تسمح لنفسك ببعض “حماقاتك الجميلة”، كما وصفها صديقي.
فالحياة لا يفسدها أن نكون أقل جدية أحيانًا، بل يفسدها أن ننسى، ونحن نكبر، كيف كنا نفرح عندما كنا صغارًا.
تعليقات
إرسال تعليق