جبرُ الخواطر!

لا تزال كلمات العم عبدالله، ونظراته التي سبقتها، عالقةً في ذاكرتي رغم مرور الأعوام، حيث أنني لا زلتُ أتذكر ذلك المجلس الذي اكتضّ بالرجال، حين بادر بالدفاع عني قبل أن ينطق أحدهم بكلمة واحدة، حيث قال جملةً لم تكن بالنسبة إليه سوى كلمات، لكنها بالنسبة لي كانت درسًا نموذجيًا متكامل الأركان في جبر الخواطر وهو يقول :"لا أحد يزعّل يوسف… ترى زعله من زعلي"!

منذ تلك اللحظة، أدركتُ أن بعض الكلمات لا تُقال لتُسمَع، بل لتُرمّم شيئًا انكسر في داخل الإنسان.


كنتُ حينها طفلًا لم يتجاوز العاشرة من عمره، مفعمًا بالحيوية، لا يعرف من الدنيا سوى اللعب. وكأي طفلٍ مشاكس، ركلت الكرة بكل ما أملك من قوة داخل ذلك المجلس، فإذا بها ترتطم بشاشة التلفاز لتحطمها على الفور. وما إن توقّف صوت الزجاج المُهشمّ حتى دوى صوت الطمأنينة التي سرت إلى قلبي من العم عبدالله بكلماته التي جبرت خاطري وبدّدت كل مخاوفي!


إنّ الجبر يا صديقي له صورٌ عديدة، منها جبرٌ عند الخسارة، وجبرٌ بعد الخذلان، وجبرٌ يأتيك في لحظةٍ كنت تظنُّ فيها أن لا شيء قادرٌ على إنقاذ ما انكسر بداخلك.


فقد يكون الجبرَ على هيئة كلمةٍ صادقة، أو نظرةٍ حانية، أو يدٍ تمتد إليك دون أن تطلبها، فتُعيد إليك شيئًا من نفسك ظننت أنك فقدته إلى الأبد.


ولعلَّ أعظمَ جبرٍ قرأتُ عنه عبر صفحات التاريخ، هو ذلك الجبر الذي خصَّ الله به أمَّ المؤمنين عائشة رضي الله عنها في حادثة الإفك. فما إن اشتدَّ عليها البلاء، وتعالت الأقاويل، واضطربت القلوب، حتى نزلت براءتها من فوق سبع سماوات، لا في رسالةٍ عابرة، ولا في شهادةِ بشر فتُنسى، بل في قرآنٍ يُتلى آناء الليل وأطراف النهار إلى قيام الساعة. فحين شكَّ الناس، جاء اليقين من الله، وحين ضاقت بها الأرض بما رحبت، جاءها من السماء جبرٌ لم يعرف له التاريخ نظير، ويا له من جبر!


وأحسبُ أن أجمل ما في جبر الخواطر، أنه لا يُقاس بحجم الموقف، بل بما يتركه في القلب من أثر. فقد تكون كلمةً واحدة سببًا في أن ينظر الإنسان إلى الحياة بعينٍ مختلفة، وقد يكون موقفًا صغيرًا أعظمُ أثرًا من عطايا كثيرة. ولهذا السبب، تبقى بعض المواقف حيّةً في الذاكرة، لا لأنها كانت عظيمةً في أعين الناس، بل لأنها جاءت في اللحظة التي كان القلب فيها بأمسِّ الحاجة إليها.


ختامًا يا صديقي، إذا مررتَ يومًا بشخص أثقلته الحياة، فلا تستصغر كلمةً طيبة، ولا نظرةً حانية، ولا موقفًا كريمًا، فلعلّها تكون الجبر الذي انتظره طويلًا. فكم من إنسانٍ عاد إلى الحياة بسبب كلمة، وكم من قلبٍ استعاد طمأنينته بسبب موقف، وكم من أثرٍ جميلٍ بقي خالدًا في الذاكرة لأن أحدهم اختار أن يكون لطيفًا.


وتذكّر دائمًا أن جبر الخواطر لا يحتاج إلى الكثير من الجهد بقدر ما يحتاج إلى نفسٍ تؤمن أن أعظم ما يمكن أن تتركه في هذه الدنيا، أثرٌ جميل في قلبِ إنسان.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

خالي بو سامي!

اطفئ عقلك!

الإيكيغاي! 🇯🇵