الرِضا!


في إحدى عصريات أغسطس اللاهبة، حين كان مستشعر الحرارة في السيارة يضيء بالرقم 51 درجة مئوية، ذهبت أبحث بين دكاكين سوق الهفوف التاريخي الواقع في حيّ الرفعة الشماليّة بالأحساء، حتى استوقفني دكان صغير يعمل فيه رجل هندي، أظنّه بلغ الستين عامًا أو قاربها، يقوم بإصلاح الأدوات المنزلية التالفة.


كان المكان ضيقًا، والحرارة لا تُطاق، والعمل بسيطًا، حتى إن قيمة التصليح الذي طلبته منه لم تتجاوز عشرة ريالات فقط، ومع ذلك كان على وجهه شيءٌ لافت، ابتسامة هادئة، ورضا لا يحتاج إلى كثير من التأمّل حتى تستشعر ذلك.


استوقفني المشهد فعلًا، ودفعني لأن أسأله بشيء من الدهشة والإعجاب: ما الذي يجعلك تقطع آلاف الكيلومترات، وتترك أهلك وبيتك في الهند، من أجل بضعة ريالات قد لا تكفي حتى لسداد إيجار هذا المحل؟


أجابني إجابةً اختصرت سنوات خبرته وألهمتني كثيرًا عندما قال:" الحمدُلله، هذا رزق الله، ربما تراها عشرة ريال فقط، لكنّي اراها سعيًا في الرزق وطريقًا يُنزِل به الله عليّ رحماته، الله يطلب منّا العمل أما الرزق فهو تكفّل به، أنا راضِ تمامًا بذلك وسعيد"!


لا أعلم إن كان يدرك أثر كلماته في نفسي حينها، لكنني خرجت من عبارته بأكثر مما دخلت به إلى دكانه.


قد تبدو إجابة هذا العامل بسيطة، ولكنها فتحت لي آفاق للتفكّر وإدراك نعمة رُبما غابت عن الكثير منّا، وهي نعمة أن يرزقك الله بالرضا والبركة!


رُبما يا صديقي أنك لستَ الأعلى دخلًا بين أصحابك، ورُبما لا تملك المنزل الأكبر، ولا السيارة الأحدث، ولم تصل إلى المكانة التي كُنتَ تطمح إليها كما وصل بعض أقرانك. الأمرَ الذي جعلك تنظر أحيانًا لحياة الآخرين فتظنّ أن نصيبهم من الدنيا كان أوفر حظًا من نصيبك، ولكن قد يمنحك الله الرضا فتنظر للحياة بطريقة مختلفة تمامًا، فيبدو القليل في عينك كثير، والبسيط كافيًا، وما عندك خيرًا وأبقى مما عند الآخرين!


فالرضا لا يعني أن تتوقف عن الطموح، ولا أن تستسلم لواقعٍ تستطيع تغييره، بل أن تسعى بقلبٍ هادئ، تعمل، وتجتهد، وتحاول، دون أن تجعل سعادتك مرتبطة بما لم تحصل عليه بعد!


أما الدرس الآخر الذي تعلّمته من ذلك العامل فهو البركة، تلك النعمة الخفيّة التي لا تُقاس دائمًا بالأرقام، ولا تظهر في كشف الحساب، ولا يمكن أن تعرفها بمجرد النظر إلى مقدار ما يملكه الإنسان.


فقد تكون بضعة ريالات يطرح الله فيها من البركة ما تقضي به حاجتك، وتطعم به صغيرك، وتعود به إلى بيتك مطمئنًا، خيرًا لك من أضعافها إذا نُزعت منها البركة.


أعتقد يا صديقي أننا جميعًا نركض خلف المال الكثير، والبيت الكبير، والرزق الوفير، وهذا حق مشروع تمامًا، بل إن السعي جزء من الحياة. لكننا وسط هذا الركض قد ننسى أن حاجتنا الحقيقية ليست دائمًا في المزيد، بقدر حاجتنا إلى أن يبارك الله لنا فيما بين أيدينا، في المال، الوقت، الصحة، الأهل والولد، وفي تلك التفاصيل الصغيرة التي لا نعرف قيمتها إلا إذا غابت.


ولعلّ هذا ما أدركه ذلك العامل البسيط، فهو لم يقطع آلاف الكيلومترات، ويتغرّب عن أهله وبيته من أجل عشرُ ريالات فحسب، بل كان يرى خلف تلك الريالات معنىً أكبر، يرى صحةً لا يزال قادرًا بها على العمل، ورزقًا طرق بابه ولو كان قليلًا، وفرصةً للسعي، ثم يترك نتيجة كل ذلك لله وحده.


لقد خرجتُ من عنده وأنا مؤمنًا تمامًا بأن بعض الدروس لا تحتاج إلى قاعاتٍ فخمة، ولا إلى مؤلفاتٍ طويلة، فرُبما تجدها أحيانًا في دكانٍ صغير، وظهيرةٍ حارّة، وعلى وجه رجلٍ أنهكته الغربة والسنون، لكنه لا يزال مبتسمًا ومستبشرًا.


ففي اعتقادي، أن غنى النفس لا يكون بكثرة الماديات، بل بنفسٍ تنظر إلى ما تملك بقلبٍ راضٍ، وتحمد الله على القليل قبل الكثير، وتسعى دون تذمّر، ثم تسأل الله البركة فيما رزقها!

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

خالي بو سامي!

جبرُ الخواطر!

اطفئ عقلك!