المشاركات

فضيلةُ الصمت وفنُّ الاستماع!

عندما كنتُ في المرحلة الثانوية -عام ٢٠٠٨- كان أحد أصدقائي قليل الكلام، لدرجة كان يعتقِدُ بها البعض بأنه يُعاني من مُشكلةً ما . وأتذكرُ جيدًا حينها بأن بعض الأصدقاء كانوا ينعِتونه سُخريةً بلقب 'رفيقُ الصمت'، ولأصدقكم القول بأن صمت صديقي عبدالرحمن كان يُثير فضولي ويجعلني أتحدث معه أكثر من أي أحد آخر . فعندما أتحدث معه أشعر حقًا بأن كلماته لها أثرُ السحر على خلايا دماغي، وهدوءه يبعثُ في نفسي الطمأنينة، وعندما أُخبِرهُ بموضوعٍ ما أشعرُ بأن العالم بأسره يسمعني في تلك اللحظة . حقيقةً لم يكن عبدالرحمن مُجرد صديق مرّ علي أثناء رحلتي الدراسية، بل كنتُ تلميذًا استلهمُ منه فنّ الصمت وجمال الحديث . وقد قال لي مرّةً :" يُوسف، أتعلمُ بأن الصمت ثروة لا يعلم عنها الكثير من الناس؟ فالصمت يُجنبك الدخول في المشاكل، ويمنح عقلك فرصة ترتيب أفكاره ليجعلك تُقابل الناس بأبهى صورة لك، ولتعرف قيمة الصمت، فقد جعله الله عز وجل آية لزكريا عليه السلام، وقد كان الرسول صلى الله عليه وسلم يتحنّث (أي يتعبد) في غار حراء بعيدًا عن البشر باحثًا عن الصمت والهدوء ". وقد قرأتُ مرةً في نصائح جاكسون ...

القلق من المجهول!

 القلق، القلق، القلق، لا يبدو أحدًا منّا لم يُعاني يومًا من القلق. عندما كنتُ في السادسة من عمري وبعد فقدان أبي بثلاثِ سنوات فقط، أجرت والدتي عملية جراحية ومن هُنا بدأت رحلتي مع هاجس (القلق)! في إحدى صباحات يناير الباردة دخلت والدتي المستشفى لإجراء عمليتها في أحد مستشفيات الدمام، وحقيقةً يومها لم يبدو وجه خالي مستبشرًا وسعيدًا، حتى أننا لم نستمع -كما هو مُعتاد- أثناء رحلتنا إلى الدمام لمحمد عبده وهو يُغني "ياليل خبرني عن أمر المعاناة هي من صميم الذات ولا أجنبية"! فـ خالي يبدو بأنه قد اكتفى من مُعاناة ذلك اليوم قبل أن يبدأ، ومُنذ ذلك الحين كان لقائي الأول مع القلق. بفضل الله عز وجل خرجت أمي من العملية تلك بصحة جيدة وانتهى كُل شيء على ما يُرام، ولكنني لا زلت أعاني من القلق، حتى أنني كنتُ أتحسسُ قلب أمي منتصف كُلّ ليلة بين الحينِ والآخر ليطمئن قلبي وأنام! استمرّ الحال هكذا لفترة من الزمن، حتى دخلت إلى المدرسة وابتدأ قلقٌ آخر، قلق الحياة المدرسية والصحبة الجديدة، وتحذيرات الأهل من رفقاء السوء ومن الفشل في أحد المواد والتأخر عن أقراني، ثم مضى معي القلق لا يتركني حتى نهاية آخر سنة ...

نحنُ نعيش حياة تعيسة جدًا!

خلال ثلاثون عامًا قضيتها والتقيت خلالها بالكثير من البشر، أدركت إلى حد كبير بأن معظهم لم يكن راضيًا عن حياته بشكلٍ أو آخر. يقول لي صديقي عبدالله والحُزن يختلجُ عينيه :" لو لم يتوفى أبي لكان قد رأى ابني سعد وهو ينطق اسمه لأول مرة"! ويقولُ صديقي الآخر: كنتُ سألتحق ببرنامج الملك عبدالله للابتعاث الخارجي لو حصلت على خمسُ درجات أعلى في مُقرر علم الأنسجة! الحقيقة أن هذا هو تفكير معظم البشر، فالإنسان بطبيعته لا يرى ما بين يديه من نعم وانجازات، فلو حقق المركز الثاني في مسابقةً ما لكان حزينًا بدرجة أكبر من تحقيقه للمركز الثالث، فهو باعتقاده أنه كان قد قاب قوسين أو أدنى من الظفر بالجائزة! فـ صديقي عبدالله لم يستمتع بالكلمات الأولى التي ينطقُ بها ابنه، وصديقي الآخر لم يتلذذ بفرحة الإنجاز والتخرج من الجامعة! الحال نفسه ينطبق على الكثير منا، فمعظمنا مررنا بوقت ظننا فيه أننا من أتعس الناس حظًا في الدنيا، وبأننا لم نحصل على ما نستحقه، رغم ما نحن به من نعم كثيرة حصلنا عليها ونسيناها! يجب عليك يا صديقي بأن تُدرك حقيقة أنك لن تحصل على كُل ما تُريد، ولكن تأكد بأنك ستحصل على ما يجعلُك سعيدًا بقد...

ماذا علمني كورونا ؟!

بعد محادثة قصيرة مع صديقي المقرّب خلال أيام الحجر المنزلي المصاحب لتفشي جائحة كورونا عام 2020، أدركنا أن ثمّة أشياء كثيرة لا تُعوّض. أدركنا أن المال لا يشتري السعادة، وأن الصحة هي أثمن ما يملكه الإنسان. أدركنا أن احتساء قهوة الصباح كل يوم في مكتبنا الصغير، وإنجاز مهام أعمالنا، والخروج متى شئنا، كلها نِعم اعتدنا عليها حتى نسينا أنها نِعم. كما أدركت أن استقبال ابني لي بعد يوم عملٍ شاق، وتناول وجبة الغداء مع زوجتي، وجلسات الأهل في نهاية كل أسبوع، ليست تفاصيل عابرة كما كنت أظن، بل لحظات تستحق أن تُعاش بكل امتنان. يا رجل، أصبحت أفتقد أشياء كنت أتهرب منها أحيانًا؛ المناسبات العائلية، والصلاة في المسجد، وقراءة كتابي المفضل في الحديقة، وحتى مصافحة صديقٍ لم أكن أتصور يومًا أن المصافحة نفسها قد تصبح أمنية. الحقيقة أن جائحة كورونا لم تكن مجرد أزمة صحية، بل كانت درسًا جماعيًا علّم العالم أن الإنسان لا يعرف قيمة كثيرٍ من النعم إلا عندما تُسلب منه مؤقتًا. وكأن الحياة أرادت أن تُعيد ترتيب أولوياتنا، وأن تُذكّرنا بأن أجمل ما نملكه ليس دائمًا أغلاه ثمنًا. ولعلها تشبه، إلى حدٍ ما، شعور الإنسان بعد فقدا...

وباء كورونا ما بين المبالغة والواقع!

بين ليلة وضحاها باتت شوارع منطقتي الاحساء -شرقيّ المملكة العربية السعودية- شبه خاليه، لا أطفال في الحدائق، ولا طلاب في المدارس، وجامعات أشبه بالمقابر الخاوية على عروشها! الحقيقة أن ذلك هو حال أغلب بلدان العالم. توقفت الحياة، خُليت الملاعب الرياضية ودور العرض الفنية و انهارت بورصات الأسواق العالمية بسبب أزمة فيروس كورونا الجديد كوفيد١٩. البعض يعتقد بأن السبب هي حرب بيولوجية كما يرى 'شباب الديوانية' والآخر يرى بأنه عقاب إلهي كما يرى الشيخ المصري الكبير وهو يُقلّب القنوات التلفزيونية! إلا أن ذلك كله لا يعدو عن كونه توقعات لا أصل لها. لاشك أن العالم يمر بمنعطف صعب واختبار حقيقي لرؤية كيف سيتّحد البشر ويصمد أمام هذا الكائن الدقيق مع أن الفيروس لا يبدو حتى الآن ذلك العدو الشرس الفتّاك، ولا شك في أن العالم سيتجاوز هذه المحنه بأمر الله عز وجل ثم بتضافر الجهود البشرية. التاريخ يحكي لنا كيف تغلّب البشر على العديد من الأوبئِة 'القاتلة' أمثال الطاعون والسارس -الذي قضى على ما يُقارب ١٦٪؜ من مرضاه- وكذلك متلازمة الشرق الأوسط (ميرس) والذي قضى على ١٣٪؜ من مُصابيه في حين أن منظمة...

دعونا نفرح!

لا أعرف لماذا يعتقد بعض الناس أن الإنسان إذا حزن على شيء، فعليه أن يتوقف عن الفرح بكل شيء. وكأن الحياة لا تسمح للمشاعر أن تجتمع في القلب الواحد. قبل سنوات، انتشر مقطع لمجموعة من الشباب يحتفلون بهدفٍ متأخر لفريقهم المفضل بعد انتظارٍ طويل. لم يكن المشهد استثنائيًا؛ مجرد أشخاص قفزوا من أماكنهم، وتعانقوا، وصرخوا فرحًا كما يفعل ملايين المشجعين حول العالم. لكن اللافت لم يكن الاحتفال نفسه، بل ردود الأفعال التي جاءت بعده. فقد رأى بعضهم أن هذا الفرح لا يليق في زمنٍ تمتلئ فيه الأخبار بالحروب، والأزمات، والآلام. وكأن الإنسان مطالبٌ بأن يعلّق ابتسامته حتى تنتهي مآسي العالم كلها. تأملت هذه الفكرة طويلًا. ولو أننا انتظرنا يومًا يخلو من الحزن حتى نفرح، فلن يفرح أحد أبدًا. ففي كل صباح، هناك مريض يتألم، وأسرة تودّع عزيزًا، وطفل يعيش ظروفًا لا يستحقها، وأناس يفقدون أحلامهم في أماكن مختلفة من هذا العالم. وهذه حقيقة مؤلمة لا يمكن تجاهلها، لكنها لا تعني أن الحياة يجب أن تتوقف. لقد خلق الله هذه الدنيا مزيجًا من الأفراح والأحزان، ولم يجعل أحدهما شرطًا لوجود الآخر. قد يبكي الإنسان في جنازة قريب، ثم يبتسم في م...